​حفيدة الحاجة دولت:

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

"​فضلت باصة لها ومصدومة، مش قادرة أستوعب هي تقصد إيه بالصلبط.​ظهرت ابتسامة صغيرة خبيثة ومريحة على شفايفها وهي بتقول:"اسمي دولت الشناوي.. وأنا أغنى امرأة في البلد دي!"
​لفترة طويلة، مكنش فيه أي صوت في الظلمة دي غير صوت المطر وهو بينزل بانتظام ويخبط على سقف الصاج اللي فوقنا.

​ما ضحكتش على كلامها أبدًا.. مع إن جزء من عقلي كان شايف إن الكلام ده أشبه بخيال مش منطقي. ست كبيرة كفيفة قاعدة لوحدها في محطة أتوبيس مقطوعة في وقت متأخر بالليل، وتقولي إنها تمتلك نص البلد، كان ممكن يبان لأي حد مجرد خرافة.

​بس الصراحة.. أنا لسه كنت شايفة بعيني جوزي وهو بيبعد بعربيته، وواخد فلوسي، وتليفوني، وخمس سنين من عمري وثقتي فيه، فكان طبيعي إن أي إحساس بالواقع الطبيعي عندي يكون اتهرس واتحطم خلاص مابقاش فيه صدمة أكبر من كده.

​قبل ما ألحق أستوعب كلامها أو أرد عليها، ظهرت أنوار قوية وساطعة على طريق المطر.. عربية فارهة سوداء وقفت برقة وسلاسة قدام محطة الأتوبيس المقطوعة.​نزل من العربية سائق بزي رسمي محترم وشيك جداً، وفتح باب السيارة الخلفي بسرعة وبحذر، وهو ماسك شمسية كبيرة عشان يحمي الست الكبيرة من المطر والبرد.

​الحاجة دولت مدت إيدها، وسندت على عصاها البيضاء، وقفت بثبات عجيب لا ينم أبدًا عن ضعف، وبصتلي بإصرار وهي بتقول:"يلا يا بنتي.. اركبي معايا، وماتخافيش من حاجة خالص. طول ما إنتي في حمايتي، مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يمد إيده عليكِ ولا يهينك تاني.

"​حسيت برعشة أمل في قلبي.. كأن ربنا سبحانه وتعالى استجاب لدعائي وبعتلي طوق نجاة في اللحظة الأخيرة. فتحت باب العربية وركبت جنبها في الكنبة الخلفية اللي كانت من جوه كأنها صالون قصر.. ريحتها عود ومسك، وفيها تدفئة وهدوء ينسي الواحد قسوة الشارع والمطر.

​السواق اتحرك بالعربية بهدوء تام، والحاجة دولت لفت وشها ناحيتي -رغم إن النظارة السودا كانت مخبية عينيها- وقالت بصوت مالي الحكمة والثقة:​"احكي لي يا فريدة.. إيه حكاية الكلب ده اللي اسمه رأفت؟ وازاي تجرأ يرمي واحدة بنت أصول في الشارع بالمنظر ده؟

"​اتخضيت بجد لما نادتني باسمي الحقيقي، مع إني متأكدة إني ما قلتهالهاش أصلًا! كأنها عارفة عني وعن حياتي كل حاجة من قبل ما تقابلني.​ابتسمت بابتسامة هادية وقالت: "مستغرباني ليه يا بنتي؟ أنا ست عشت الدنيا وعارفاها شبر شبر..

وعارفة رأفت الدسوقي وعيلته حق المعرفة، وعارفة كمان إن شركاته على باب الله ومفلسة، وعايش بالمنظر والنصب على خلق الله."​كلماتها كانت زي البلسم على قلبي الجريح، وبدأت أحكيلها كل حاجة.. عن الديون، أوراق التزوير اللي لقيتها، سرقة فلوس تركة أبويا، وخيانته المستمرة.

. وهي كانت بتسمع بكل تركيز وصمت، وكل تفصيلة حكيتها كان باين في عيونها -ورا النظارة- إنها بترتب لفخ رهيب ما يخطرش على بال إبليس نفسه.​وفجأة.. رن تليفون الحاجة دولت بنغمة هادية وأنيقة. مدت إيدها وفتحت الموبايل، وردت بصوت قوي وصارم جمد الدم في عروقي:​"نفذوا اللي اتفقنا عليه حرفياً.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
aa

aberdeen ali ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
63مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

الكرسي رقم 2A: روايات

الكرسي رقم 2A:

​"المكان ده مش بتاعك يا شاطر!".. قالتها مشرفة الطيران بصرامة لطفل عنده ٦ سنين قاعد لوحده ف…

aberdeen ali 0.0 16 دقائق