جوزي رماني في عز المطر على محطة أتوبيس مقطوعة.. لا معايا مليم، ولا تليفون، ولسه شفايفي بينزلوا دم.. وكل ده عشان "يربيني" زي ما كان بيقول! لكن وهو قاعد في عربيته الكاديلاك السوداء بيضحك عليّ ببرود وشماتة، ما كانش يعرف إن اللحظة دي هي بداية نهايته ونهاية غروره.
نزل زجاج العربية وبصلي بابتسامة سمجة، كأن إهانتي دي مجرد لعبة مسلية:"روحي على بيتنا يا فريدة على رجليكي.. يمكن لحد الصباح تعرفي يعني إيه أصلًا تبقي كويسة وتحمدي ربنا!"أمه "ناهد" كانت قاعدة جنبه، لابسة طرحتها الحرير وبتضحك بصوت عالي على مأساتي.
وفي الكنبة اللي ورا، السكرتيرة بتاعته "ميرفت" مالت لقدام وهي بتلاعب محفظتي بين صوابعها بمهارة وقباحة:"إنتي مش محتاجة فلوس يا حبيبتي.. إنتي محتاجة تربية من أول وجديد!"وبعدها.. اختفت العربية في وسط عاصفة المطر والبرق.
لحظة الصمت التي تسبق العاصفةفضلت واقفة دقيقة كاملة تحت نور لمبة المحطة اللي بترعش، باصة لانعكاس وشي وهو بيترعش في بركة مية تحت رجلي. ركبي كانت بتخبط في بعضها، بس مش من الخوف.. خالص! كان لأن ماسكة نفسي بالعافية وكاتمة جوه صدري بركان غضب مش هيرحم.
رأفت كان فاكرني لسه الست الضعيفة المطيعة، اللي اتعودت تعتذر على عصبيته، وديونه، وخيانته للأمانة، والكلام الجارح اللي أمه كانت بتقوله عليا في كل عزومة وعيلة. كان فاكر طالما بطلت أرد وبقيت ساكتة، يبقى بطلت أفكر كمان!للأسف.. كان غلطان، وغلطان جداً كمان.
قبلها بثلاثة شهور، بالصدفة لقيت أول مستند قرض مزور مخبي جوه الخزنة في مكتبه. وراها ظهرت شركات وهمية، وبعدها تحويلات مالية ضخمة بتسحب فلوس تركة أبويا الله يرحمه وتحطها في شركة العقارات اللي بتنهار بتاعته.
أخدت نسخ من كل الأوراق، وبعت ملفات موثقة للمحامي الخاص بيا، وقعدت أستنى الوقت المناسب بهدوء وصبر.وافقت أنزل مع رأفت الليلة دي بس عشان وعدني إننا رايحين عشاء مهم مع مستثمرين كبار. لكنه بدل ما يروح هناك، ساق بالعربية أكتر من أربعين كيلو بره حدود المدينة، وفضل يتتهمني إني "بأجسس" عليه، ولما طلبت تليفوني ضربني بالقلم على وشي ورماني في الشارع كأني حتة زبالة ما لهاش أي قيمة.
أتوبيس سريع عدى من جنب المحطة، صوته بيعمل ضجة عالية مع الإسفلت المبلل، من غير حتى ما يهدي السرعة.المفاجأة الكبرىوفجأة.. سمعت صوت ست كبيرة بيكلمني من ورايا:"يا بنتي.. هو الراجل اللي سابك هنا هو نفسه رأفت الدسوقي، اللي مديون لنصف خلق الله في البلد دي؟
"التفت ورايا بسرعة.لقيت ست كبيرة قاعدة على الدكة، متدثرة ببالطو صوف أنيق جداً، شعرها الأبيض مرتب بعناية، ولابسة نظارة سودا مخبية عينيها، وعصا بيضاء محطوطة على رجلها.قلت بصوت متهدج وغصب عني: "أنا آسفة.. ما حسيتش بوجودك خالص."ردت بصوت هادي ورايق يطمن القلب: "أنا عارفة.
. أغلب الناس عمرهم ما بيحسوا بيا."رفعت راسها في اتجاه الطريق اللي عربية رأفت اختفت فيه، وقالت بابتسامة غامضة مليا ثقة:"اعملي نفسك حفيدتي.. السايق بتاعي في الطريق، وجوزك ده هيندم أشد الندم إنه رماكي هنا.. أصلاً أنا أغنى ست في المدينة دي كلها!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.